بقلم د/ سماح عزازي
سألني ابني سؤالاً، لا يمكنني أن أنساه: "ماما، كيف كان التعليم في أيامكم؟ وهل كانت مدرستكم مختلفة عن مدرستي؟"
وجدت نفسي أمام سؤال صعب جداً، ومقارنة أصعب. رغم كل ما وصلنا إليه من تطور وتكنولوجيا، كانت الإجابة مؤلمة وصادمة. هل سيستوعب عقله الصغير، وهو في العاشرة من عمره، تفاصيل هذه المقارنة؟!
الإجابة كانت كما يلي:
"ولدي الحبيب، رغم التقدم التكنولوجي الذي تشهدونه في زمنكم، إلا أنكم تفتقدون الكثير. دعني أخبرك عن مدرستي، لتستطيع المقارنة بنفسك، وتستنتج أيهما أفضل.
كانت مدرستي تضم فناءً كبيراً، يحتوي على أرض الطابور حيث كان العلم يرفرف عالياً على ساريته، نحيي العلم كل صباح ونهتف باسم بلادي: "تحيا مصر، تحيا مصر". كان نشيد الوطن يُردد في كل صباح بحب وفخر، ونحن نغني: "بلادي بلادي، لكي حبي وفؤادي".
كان لدينا ملاعب رياضية متنوعة، ككرة القدم، وكرة السلة، وكرة اليد، والكرة الطائرة. كانت هناك أيضًا طاولة بينج بونج نلعب عليها في أوقات الفسحة مع الأصدقاء، بالإضافة إلى حديقة جميلة تزينها الأشجار والأزهار ذات الروائح العطرة.
مدرستي كانت مكتملة من حيث العِلم والعاملين. لم يكن هناك نقص في المعلمين أو في تخصصات المواد الدراسية، بل كنت أستمتع طوال يومي الدراسي من الثامنة صباحًا حتى الثانية أو الثالثة بعد الظهر. كانت الحصص والأنشطة مُعزَّزة بالمعلمين المختصين، وكان لكل معلم غرفة خاصة به لإعطاء دروسه.
كان هناك حجرات للنشاطات المتنوعة: كالتربية الفنية، حيث كنت أعشق حصصها، وأمارس الرسم على الزجاج؛ وحجرة التربية الموسيقية التي كنا نتعلم فيها الألحان والأغاني الجميلة؛ وحجرة التربية الزراعية التي علمتنا فيها مهارات عديدة مثل صنع المخللات وتربية الدواجن؛ وحجرة الاقتصاد المنزلي التي تعلمت فيها صنع الأكلات الطيبة وطرق الحياكة والتريكو.
كما كان لدينا أخصائي للصحافة، حيث كنا نشارك في إعداد مجلات الحائط والصحف المدرسية، ونتسابق على المشاركة في الإذاعة المدرسية. كان هناك أيضًا أخصائيون اجتماعيون يهتمون بنا، يحلّون مشكلاتنا، ويشجعوننا على المشاركة في الأنشطة والرحلات المدرسية.
وكان هناك مدير وناظر ووكيل، يعملون بتنسيق تام لضمان سير العملية التعليمية بشكل مثالي، يركزون على التربية قبل التعليم، وكان الجميع يعمل لصالحنا. كانت المدرسة دائمًا نظيفة بفضل أربعة عمال نظافة، يعملون ليلاً ونهارًا للحفاظ على بيئة نظيفة ومرتبة.
مدرستي كانت حقًا جميلة، ولدي الغالي."
نظرت إليه، فوجدت علامات التعجب والاستغراب على وجهه. قال لي، بدهشة: "أمي، هل كنتِ في مدرسة خاصة؟" فأجبته: "لا، بل كانت مدرسة حكومية في منطقة ريفية بأحد قرى محافظة الشرقية."
فصرخ قائلاً: "أمي، أريد أن أذهب إلى مدرستك! أريد أن أتعلم هناك!" ثم أردف قائلاً: "مدرستي سيئة للغاية. لا يوجد بها طابور صباحي، ولا تحية علم، ولا نشيد وطني. لا توجد أنشطة، ولا ملاعب، ولا ميزانية لأي شيء. أذهب إليها يومين او ثلاث ايام فقط، ولا أتعلم شيئًا. لا أستمتع بأي شيء."
هدأت من روعه، وقلت له: "أهدأ يا صغيري، فهذه هي حال العصر، وهذا هو ما وصل إليه التعليم مع التكنولوجيا. لكن لا تنسَ أن جميع الدول المتقدمة في التكنولوجيا لم تتخلَ عن الورقة والقلم، ولا عن السبورة والمعلم، الذي يظل هو قلب العملية التعليمية. هؤلاء المعلمون، الذين خرجت على أيديهم أجيال من العلماء والمهندسين والأطباء، الذين أسهموا في بناء أوطانهم.
ظل صغيري منزعجًا، وأحس بالفارق الكبير بين "تعليم الزمن الجميل" وما نحن عليه الآن. أدرك الفجوة التي تتسع كل يوم، والتي تجعل المدرسة تبتعد عن دورها الأساسي في التربية والتعليم. ظل يردد: "أمي، أريد أن أذهب إلى مدرستك، ولا أريد مدرستي."
ملاحظة: يظل التعليم قضية حية تشغلنا جميعًا. من المهم أن نفكر في مستقبل أبنائنا، وأن نعيد النظر في السياسات التعليمية التي تؤثر فيهم بشكل مباشر. علينا أن نُعيد التربية إلى المدرسة قبل التعليم، وأن نوفر بيئة مدرسية محفزة ومشجعة على الإبداع والنجاح.
التعليقات الأخيرة