add image adstop
News photo

معرض ساقية الصاوي للكتاب الدورة 15 ملتقى الأحلام واحتفالية الكلمة النقية

 

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

في عوالم يختلط فيها ضجيج الحياة بصمت القلوب، تبرز الكتب كواحات نادرة في صحراء الوقت، تروي ظمأ العقول المتعطشة للنور، وترسم مسارات الأحلام التي لا تعرف الانطفاء. ومع كل دورة جديدة من معرض ساقية الصاوي للكتاب، نعيد اكتشاف تلك الألفة الفريدة بين الإنسان والكلمة، حيث لا يقف الأمر عند حدود القراءة فقط، بل يمتد إلى لقاء الأرواح، وتبادل الأفكار، وصناعة الذكريات التي لا تُنسى.

 

الدورة الخامسة عشرة لهذا المعرض ليست مجرد حدث ثقافي عابر، بل هي مشهد حي ينبض بالحياة، ويجمع بين شغف القارئ وعرق الكاتب، بين همسات الصفحات ورنين الكلمات التي تعانق السماء. هنا، في هذا المكان الذي يحتضن نهر النيل بصفاءه، تحط الأحلام، وتنطلق الكلمات لتصبح نوافذ تأخذنا إلى عوالم مختلفة، تتخطى حدود المكان والزمن.

 

في هذا الاحتفال السنوي، يتجلى سر الكتابة والقراءة كفن سامٍ، يجعلنا نعيش مع الحروف لحظات من السحر والإلهام، ويمنحنا فرصة نادرة لنلتقي بجمال الفكر، ونحتفي بقوة التعبير التي تشكل وجدان الأمم. فما بين أروقة ساقية الصاوي، تتلاقى قصص وحكايات لا تُحصى، لتنبض بحياة جديدة تنير دروبنا في هذا العالم المعقد.

 

في قلب القاهرة النابض، وعلى ضفاف النيل حيث تعانق الأمواج الهادئة روح المدينة العتيقة، تفتح ساقية الصاوي أبوابها على مصراعيها، لتُهدي عشاق الكلمة والكتاب مهرجانًا سنويًا يحتفل بالثقافة، ويحتفي بالعقل والوجدان في دورة استثنائية هي الخامسة عشرة. هنا، في هذا الصرح المضيء، يصبح الحضور أكثر من مجرد لقاء؛ إنه رحلة عبر أروقة الفكر، حيث تلتقي الأرواح على نغمات الحكمة والتجربة، ويتلاقى الماضي مع الحاضر ليشكّلا ملامح المستقبل.

 

تتراقص الحروف في هذا المعرض كما تراقص النجوم في سماء صافية، لتروي قصصًا لا تنتهي من خيال وشغف، من ألم وأمل، من شوق إلى المعرفة ومن سعي دؤوب لاكتشاف الذات والآخر. تنبعث روائح الكتب من رفوفها، مثل عطر الذكريات والآمال، تأخذك إلى عوالم بعيدة، إلى أزمنة وأمكنة تلمس فيها جوهر الإنسان، وتعرف فيها أن لكل كلمة وزنها وسحرها، وأن لكل حكاية نبضها الخاص.

 

في الدورة الخامسة عشرة، لم يكن المعرض مجرد منصة لعرض الكتب، بل كان احتفالًا بالحلم الذي يراود كل كاتب، ويمضي إليه كل قارئ: أن تُنقل الكلمة إلى أجيال تنتظر أن تسمع، أن تشارك الأفكار، أن تغوص في أعماق الذات، وتخرج محمّلة بنور جديد.

 

وكان من أعظم فخري وتشرفي أن أكون جزءًا من هذا الحدث البهيج، وأن يُعلن في هذا المكان العظيم نزول أول إصداراتي الأدبية بعنوان "عطر الغياب". إصدارٌ ينبض بذكريات غامضة، وشجنٍ يتردد صداه بين الحروف، يحمل في طياته عبق فصول الغياب وألوان الوحدة التي تلوّن حياة الإنسان، لكنه في الوقت نفسه نافذة أمل تفتح للباحث عن ذاته المسروقة.

 

"عطر الغياب" لم يكن مجرد كتاب يُعرض على رفوف ساقية الصاوي، بل كان رسالةٍ تنبع من أعماق الروح، قصيدة صامتة تعانق فيها الكلمات الحنين، وتبثّ شغفًا بالحياة رغم كل الفقدان. كان ذلك التواجد، وسط هذا الصخب الثقافي العظيم، بمثابة اعتراف بأن لكل كاتب مكانته، ولكل قارئ حكاية يختزنها بين صفحات الكتب.

 

الزيارة إلى معرض ساقية الصاوي تشبه رحلة مشبعة بالحواس، تأخذك عبر أروقة زاخرة بالعطور، أصوات النقاشات الحية، ضحكات الأطفال المتلهفين على القصص، وأعين الكبار المشتعلة بلهفة البحث عن الجديد والمختلف. يقف القارئ أمام كل كتاب، مترددًا بين الرغبة في التوغل في حكاياته، وبين خوف الفقدان الذي يتركه كل كتاب غير مكتمل القراءة.

 

تجمع ساقية الصاوي هذه السنة بين مئات الإصدارات الجديدة، عناوين متنوعة من مختلف الأدب والفكر والفنون، وورش عمل توقظ الحواس وتوسع الآفاق، إلى جانب ندوات تعجّ بنقاشات حيوية من وحي واقعنا المعاصر. وفي هذا اللقاء المثمر، تتجلى الثقافة في أبهى صورها، تلك الثقافة التي تحتاجها الأمة كي تضيء دربها في ليل العواصف.

 

إنه المعرض الذي لا يقتصر على بيع الكتب وشرائها، بل هو معرض للحياة، حيث تتلاقى الأرواح على شغف الكلمة، وتُنسج علاقات لا تنتهي بين الكاتب وقارئه، بين الجيل الحاضر والمستقبل، وبين الأفكار التي تبني الحضارات.

 

أما شرف نزولي لإصداري "عطر الغياب" فقد كان أكثر من مجرد حدث شخصي، بل كان نقطة التقاء بين حلم طال انتظاره، وبين واقع أزهر بألوان الفرح والإنجاز. هنا، على منصة ساقية الصاوي، وجدت كلماتي تنتقل من بين دفتي كتاب إلى قلوب من يحملون الشغف ذاته، وأدركت أن لكل غياب عطره الخاص، وأن الكتابة ليست إلا محاولة لإعادة الأسماء إلى الحياة، لملء الفراغ، ولزرع بذور الأمل في صحراء الغياب.

 

أجواء ساحرة تنبض بالمعرفة والإبداع

عند دخولك إلى أروقة معرض ساقية الصاوي، تستقبلك رائحة الورق الطازج، تعبق في الأجواء مع نسائم نهر النيل، فتشعر وكأنك تعبر إلى عالمٍ آخر من الهدوء والسكينة، رغم صخب الحشود. الأضواء الدافئة التي تزين المكان تخلق جوًا يفيض دفئًا وحنينًا، يلامس الحواس ويثير الشغف.

 

الزائر هنا ليس مجرد متفرج؛ بل هو بطل رحلته الخاصة، يتجول بين أرفف الكتب التي تكاد تهمس بحكاياتها، فيلتقط كتابًا، ثم آخر، ثم يتوقف أمام منصة توقيع ليصافح الكاتب الذي كتب بدم قلبه. هناك على طاولات العرض، تجد إصدارات في كل موضوع: من الأدب إلى التاريخ، من الفلسفة إلى الفنون، ومن كتب الأطفال إلى الإصدارات العلمية الحديثة.

 

الأطفال لا يقلون حيوية، فقد خصص المعرض مساحة كبيرة للقصص والأنشطة الإبداعية التي تأخذهم في جولات تخيلية بين عالم الخيال والواقع. أصوات ضحكاتهم تتعالى بين أروقة المعرض، تضفي حياة على المكان، وتذكر الجميع بأن الثقافة تبدأ منذ الصغر.

 

أما في الندوات، فقد استضاف المعرض مجموعة من الكتّاب والمفكرين الذين أسعدوا الحضور بحوارات ثرية عن الأدب العربي المعاصر، أهمية القراءة في بناء المجتمع، ومستقبل الكتابة الرقمية. كان من بين هذه اللحظات المميزة لقاء أدبي تحت عنوان "الكلمة وتأثيرها في صياغة الوعي"، حيث تناقش المتحدثون قوة الأدب في مواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية.

 

ومن بين الفعاليات التي أضفت رونقًا خاصًا، كانت ورشة "كتابة القصة القصيرة"، التي شهدت تفاعلًا كبيرًا من الشباب الطموح، حيث أُتيحت لهم الفرصة للتعلم من خبراء السرد، ومشاركة نصوصهم أمام جمهور داعم.

 

وكذلك لم تغب لحظات التوقيع والتواصل المباشر بين الكتّاب وقُرّائهم، حيث تزينت ساحات المعرض بتوقيعات تحمل بريق الأمل والإلهام، ومنها توقيعي الخاص على "عطر الغياب"، وسط أجواء من الفرح والتقدير الذي لا يُنسى.

 

في هذا المعرض، حيث يصطف العقل والإبداع جنبًا إلى جنب، يسكن الحب بين صفحات الكتب، وينسج الحضور حكاياته الخاصة، تذكرت قول الشاعر:

 

"الكتاب هو سفينة النجاة، إن لم تكن لك في هذه الحياة أمان، ففيه تجد السلام."

 

ومع ختام هذه الدورة الغنية، يظل معرض ساقية الصاوي في قلوبنا، ينبض بمكانة لا تضاهى، بوابة لكل من يبحث عن حقيقة الإنسان، وعن نفسه في فصول الكلمة الخالدة.

 

وهكذا، وبعد رحلة عبر أروقة ساقية الصاوي، نتوقف لنسترجع مشاعرنا التي تأججت بين صفوف الكتب وأحاديث الكتاب، ونأخذ معنا بذورًا من المعرفة، وأصداءً من الأحلام التي رسمها هذا المهرجان الثقافي الفريد. فالمعرض لم يكن فقط محطة لعرض الكتب وشراءها، بل كان فضاءً حيًا ينبض بروح الأدب، ويعانق القلوب المتعطشة لكل جديد، ليغرس فينا الأمل بأن الكلمة تبقى دائمًا سلاحًا لا يُقهَر، وقوةً قادرة على شق طريق النور وسط عتمة الأيام.

 

وفي هذا المشهد، حيث تلتقي الأحلام مع الحقيقة، تأكدت أن لكل منا مكانًا بين صفحات الكتب، وأن لكل غيابٍ عطره الخاص الذي لا يُنسى، تمامًا كما حملت كلماتي في "عطر الغياب" رسالة عشق للحياة رغم المسافات والفراغات.

 

ساقية الصاوي ليست مجرد معرض كتاب، بل هي نهرٌ من الفكر يصب في محيط الإبداع، وشرفة تطل على سماء الثقافة اللامحدودة، حيث يُولد الأمل ويتجدد، ويُكتب التاريخ من جديد، صفحة تلو الأخرى، بكلمات لا تذبل.

 

لذلك، يبقى هذا المعرض نورًا في دروبنا، ودعوة دائمة لكل من يبحث عن ذاته في صفحات الكتب، ويؤمن أن الكلمة، مهما طالت رحلتها، تبقى هي الجسر الذي يعيدنا إلى الحياة، ويرسم لنا طريقًا إلى عالم أجمل وأسمى.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى