بوسي عواد
يقف دير مارمينا العجائبي شامخًا، معلقًا في قلب صخرة من أقدم حصون التراث المصري بمحافظة أسيوط، على الضفة الشرقية لنهر النيل، شمال مدينة أبنوب. يعتبر هذا الدير الذي يبعد حوالي 25 كم من المدينة ويقع على ارتفاع 170 مترًا عن سطح الأرض، إحدى العلامات البارزة في تاريخ الأديرة المصرية، حيث يحمل بين جدرانه العديد من المشاهد الأثرية والدينية التي تجسد صلوات الرهبان ومحبتهم للمسيح على مر العصور.
يعود تاريخ دير مارمينا إلى عصر الدولة القديمة، حيث شُيد الدير داخل مغارة كبيرة منحوتة في صخرة واحدة، والتي تحتوي على مذبح حجري محفور داخل الصخر. خارج المغارة، تقف كنيسة باسم السيدة العذراء والملاك ميخائيل، شاهدةً على قرون من العبادة والتعبد.
وقد ورد ذكر الدير في كتاب "الخطط المقريزية" للمؤرخ المقريزي، حيث وصفه بـ "دير مغارة شقلقيل"، مشيرًا إلى روعته المعمارية وكونه معلقًا في الجبل دون وجود سلالم تؤدي إليه، سوى نقور منحوتة في الصخر.
يتألف الدير من ثلاثة طوابق لا تزال تحتفظ بطابعها المعماري الأصلي من القرن الرابع الميلادي. في الطابق الأول، يقع مدخل الحصن الذي يضم السلم المؤدي إلى الطابق الثاني، حيث تُعرض بعض الأبواب الأثرية والقطع التراثية. الطابق الثاني يحتوي على كنيسة باسم البابا أثناسيوس الرسولي، مؤسس الدير، إلى جانب كنيسة المزار التي تحوي رفات القديسين والشهداء.
يُعد دير مارمينا من أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، حيث يجذب الزوار من مختلف أنحاء الجمهورية ومن دول أوروبا وآسيا. الدير ليس مجرد موقع أثري؛ بل هو رمز لتاريخ عريق يجسد مراحل مختلفة من التراث القبطي في مصر.
وفي إطار الحفاظ على هذا الصرح التاريخي، قامت وزارة الآثار بالتعاون مع قداسة البابا تواضروس الثاني والأنبا بيسنتي، رئيس الدير الحالي، بإطلاق مشروع لإنشاء سور يحيط بالدير، تعزيزًا لجهود الحماية والتطوير. هذا المشروع يعد جزءًا من استراتيجية وزارة السياحة والآثار للحفاظ على المباني الأثرية عبر العصور المختلفة.
يشكل دير مارمينا العجائبي جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والدينية لمصر. بقي محافظًا على رونقه وجماله عبر القرون، ليظل شاهدًا حيًا على مسيرة الرهبان وتاريخ طويل من الحب والتفاني في خدمة الإيمان. الدير ليس فقط رمزًا للماضي، بل هو أيضًا إرث للمستقبل، يستمر في جذب المؤمنين والسياح على حد سواء، ليشاركوا في تجربة روحانية فريدة تمتزج فيها عظمة التاريخ بروعة الطبيعة.
التعليقات الأخيرة