add image adstop
News photo

وطن للبيع

 

 

بقلم د/سماح عزازي

 

في زمن تتبدل فيه المفاهيم، وتُفرّغ فيه الكلمات من معانيها، بات الوطن، الذي كان يومًا مقدسًا لا يُمس، مطروحًا في سوق المصالح، تُساوم عليه القوى، وتُمرر صفقاته في صمت، وتُموّه حقائقه بخطابات براقة. لم يعد السؤال: من العدو؟ بل: من الذي ما زال يرى الوطن وطنًا، لا صفقة ولا مشروعًا استثماريًا ؟ لقد آن الأوان أن نعيد صياغة وعينا، قبل أن تُعاد صياغة أوطاننا بأيدٍ لا تمثلنا، ولأهداف لا تمت إلينا بصلة

 

في زمنٍ تتهاوى فيه القيم كما تتهاوى العواصم، وتُعرض فيه الأوطان في مزادات مفتوحة على كل احتمالات البيع والخذلان، لا يملك المثقف إلا أن يصرخ بالكلمة: الوطن ليس سلعة! لكن يبدو أن كثيرين قد نسوا، أو تناسوا، أن الأوطان لا تُقاس بحجم الناتج المحلي، بل بكرامة الإنسان فيها. وأن الأرض، مهما غلت قيمتها العقارية، لا تساوي شيئًا إن فرغت من تاريخها، وشُطب منها معنى السيادة، وتحوّل أهلها إلى أرقام تنتظر اللجوء أو تأشيرة خلاص.

 

 حين يصبح التراب أوراقًا قابلة للتفاوض

لم يعد الأمر مجازًا. هناك أوطان تُعرض رسميًا للاستثمار طويل الأمد، واتفاقيات تُمنح فيها الأراضي دون استشارة الشعب، وصفقات تُمضى خلف أبواب مغلقة تحت عنوان "الشراكة". وهكذا، يصبح "التراب الوطني" بندًا في ميزانية، وخاضعًا للمساومة، وقابلاً للتجزئة.

 

تشير دراسة حديثة صادرة عن معهد الدراسات الجيوسياسية في باريس إلى أن موجة "الاستثمار السيادي في الأراضي" التي تجتاح بعض الدول العربية، خصوصًا في المناطق الحدودية أو الزراعية، تؤدي إلى فقدان تدريجي للسيطرة الفعلية على الموارد الوطنية.

 

"لا يوجد استعمار اليوم ببدلة عسكرية، بل بعقود موثقة ومذكرات تفاهم."

ـ جوزيف ناي، القوة الناعمة

 

 الهوية… في المزاد

حين تُباع الأرض، لا تُباع وحدها. تباع معها اللغة، والعَلَم، والذاكرة، والصوت. يُمحى اسم الشهيد، ويُكتب اسم المستثمر. تُستبدل أسماء الشوارع بأسماء الرعاة الرسميين، وتُصبح المدرسة حقلًا تجريبيًا لإيديولوجيا الممول.

 

يحذر المفكر إدوارد سعيد من أن "بيع الأرض لا يتم فقط بالمتر، بل بالمعنى"، حيث يتحول الوطن إلى مساحة "عقيمة من الرموز"، ويُعاد تعريف الوطنية بما يوافق مصالح من يتحكم في التمويل.

 

 "الوطن لا يعني مكانًا تعيش فيه، بل مكانًا لا تساوم عليه."

ـ غسّان كنفاني

 

 اقتصاد بلا كرامة، وطن بلا روح

يروج البعض أن "البيع" ضرورة اقتصادية، وأن التنازل المؤقت يعزز التنمية. لكن ماذا تعني التنمية في غياب السيادة؟ وكيف نبني اقتصادًا بأرض مستأجرة، وسياسات مستوردة، وقرارات رهينة خارج لا يرحم؟

 

في تقرير للبنك الدولي (2022)، أُشير إلى أن البلدان التي تتنازل عن إدارة أراضيها لمستثمرين أجانب تفقد تدريجيًا استقلالها في توجيه السياسات الزراعية والغذائية، مما يجعلها عرضة للاختناق الغذائي والسياسي عند الأزمات.

 

"الكرامة الوطنية تبدأ من السيادة على الموارد، لا من فائض القروض."

ـ طارق البشري

 

حين يُشرعن البيع باسم الدولة

الأخطر من البيع نفسه، أن يتم باسم "المصلحة الوطنية". فتُمرر الصفقات تحت قبة البرلمان، وتُبرر بـ"عجز الميزانية"، ويُخوّن المعترض، ويُتهم بالحقد على التنمية. هكذا تتحوّل أدوات الدولة إلى واجهات لـ"سماسرة الوطن".

 

يرى المفكر السياسي ناثان براون أن "الأنظمة السلطوية تستغل ضعف المؤسسات التشريعية لتمرير اتفاقيات مصيرية"، حيث يتم تسويقها باعتبارها خطوات إصلاحية، بينما هي في الحقيقة "إعادة توزيع للسيادة الوطنية في جيوب الخارج".

 

 "الديمقراطية لا تعني فقط أن تُنتخب، بل أن تُحاكم إن خنت الأمانة."

ـ جان جاك روسو

 

 الذاكرة لا تُباع

التاريخ لا يُمحى، حتى وإن غُسلت الوجوه، وزُوّرت الوثائق، وغيّرت المناهج. الشعوب تعرف، وتفهم، وتُدوّن. وكم من صفقة وقعت في صمت، ثم سقطت بصوت انتفاضة أو رصاصة وعي.

 

يؤكد تقرير صادر عن جامعة أكسفورد أن وعي الشعوب بالتاريخ، لا سيما في الشرق الأوسط، لا يندثر رغم المحو الرسمي، بل يتحول إلى وعي جمعي مقاوم يظهر في الفنون والآداب والتعليم غير الرسمي.

 

"من يملك الذاكرة، يملك المستقبل. ومن باع ذاكرته، كتب شهادة وفاته."

ـ علي عزت بيغوفيتش

 

الوطن ليس صفقة

قد تُشترى العقارات، وقد تُستأجر الأراضي، لكن الوطن ليس معروضًا للبيع. ليس لأنه غالٍ فقط، بل لأنه لا يُقدّر بثمن. هو المعنى، والدم، واللغة، والحق، والسماء التي شهدت الشهداء، والأرض التي حفظت خطواتهم.

كل وطن يُباع، يفقد روحه. وكل شعب يرضى بذلك، يفقد مستقبله.

فلنحذر أن نصحو ذات يومٍ، فنكتشف أن الخريطة ما زالت أمامنا، لكنها بلا اسم… وبلا ناس… وبلا روح.

 

ليس أخطر ما يواجه الأوطان أن تُحتل، بل أن تُباع بأيدٍ من داخلها، وتُزيّن الخيانة باسم السيادة، وتُسلَب الأرض تحت عنوان التنمية.

لكن الأوطان الحقيقية لا تموت، لأنها تعيش في ضمير أبنائها، في الذاكرة التي لا تُشترى، وفي الدماء التي لا تُقايَض.

فلتكن الكلمة الصادقة موقفًا، ولتكن المعرفة مقاومة، ولنبقَ على يقين بأن الوطن… لا يُباع، ولا يُقاس بثمن، بل يُصان بالوعي والكرامة، أو لا يكون.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى